الدكتور أحمد الشلبي

53

مقارنة الأديان ، الإسلام

يطق الباطل أن يوقفه ، ولم يمض قرن من الزمان حتى كان الإسلام يخفق في الأندلس ويرفرف على السند ، ويشمل بخارى وينساب إلى قلب إفريقية ، ويعم ما بين هذه البلاد من بقاع . ولنعد إلى محمد نبي الإسلام لنذكر جملة أخرى من صفاته قبل أن نستمر في حديثنا عن موضوعات هذا الكتاب . لقد بعث محمد وتبعه بعض الناس ، وعاداه آخرون ، ولكن أعداءه لم يستطيعوا أن يجدوا في أخلاقه مطعنا ، ولم يستطيعوا أن يزعموا أن فيه نقيصة ، أو ثلمة . وعظم شأن الإسلام وانتشر ، وكبر سلطان محمد باعتباره الرئيس الديني والرئيس السياسي ، ولكن مظاهر السلطان لم تعرف طريقها إليه ، فقد ظل يحلب شاته ، ويرقع ثوبه ، ويخصف نعله ، ويخدم نفسه ، ويأكل مع الخادم ، ولم ير أصحابه فيه إلا رائدا وصديقا ، كان ينهاهم عن الوقوف له إذا أقبل عليهم ، وكان يجلس معهم كواحد منهم ، وإذا قدم وهم جالسون اتخذ مكانه حيث انتهى به المجلس ، وكان يمازحهم ويداعب صبيانهم ويجلسهم في حجره ، ويجيب دعوة الحر والعبد والأمة والمسكين ، ويعود المرضى في أقصى المدينة ( 1 ) . ولم تقف سماحة نفسه عند أتباعه ، بل امتدت إلى أهل الكتاب ، فكان يقبل دعوتهم ، ويحسن استقبالهم ، وقد فرش عباءته لنصارى نجران عندما وفدوا عليه وطلب منهم الجلوس عليها ، وكان يزور مرضاهم ويشيع جنازاتهم .

--> ( 1 ) أفاض الإمام الغزالي في وصفه الأخلاق الرسول في أكثر من موضع بكتاب الإحياء ، أنظر كذلك زاد المعاد 1 : 34 - 47 .